السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 53

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

والمعروف عن أبي حنيفة أنّه كان متفوّقاً في ممارسة هذا النوع من العمل الفقهي ، فقد روي عن تلميذه محمد بن الحسن : أنّ أبا حنيفة كان يناظر أصحابه فينتصفون منه ويعارضونه ، حتى إذا قال : استحسن لم يلحقه أحد « 1 » . وجاء في كلام له وهو يحدِّد نهجه العام في الاستنباط : « إنّي آخذ بكتاب اللَّه إذا وجدته ، فما لم أجده أخذت بسنّة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا لم أجد في كتاب اللَّه ولا سنّة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أخذت بقول أصحابه مَن شئت وأَدَع من شئت ، ثم لا أخرج من قولهم إلى غيرهم ، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم والشعبي والحسن وابن سيرين فلي أن أجتهد كما اجتهدوا » « 2 » . والفكرة الأساسية التي دعت إلى قيام هذه المدرسة وتبنّي العقل المنفتِح بوصفه وسيلةً رئيسيةً للإثبات ومصدراً لاستنباط الحكم هي الفكرة الشائعة في صفوف تلك المدرسة التي كانت تقول : « إنّ البيان الشرعي المتمثّل في الكتاب والسنّة قاصر لا يشتمل إلّا على أحكام قضايا محدودة ، ولا يتّسع لتعيين الحكم الشرعي في كثيرٍ من القضايا والمسائل » . وقد ساعد على شيوع هذه الفكرة في صفوف فقهاء العامة اتّجاههم المذهبي السنّي ، إذ كانوا يعتقدون أنّ البيان الشرعي يتمثّل في الكتاب والسنّة النبوية المأثورة عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقط ، ولمّا كان هذا لا يفي إلّا بجزءٍ من حاجات الاستنباط اتّجهوا إلى علاج الموقف وإشباع هذه الحاجات عن طريق تمطيط العقل والمناداة بمبدإ الاجتهاد . وأمّا فقهاء الإمامية فقد كانوا على العكس من ذلك بحكم موقفهم المذهبي ؛

--> ( 1 ) مناقب الإمام الأعظم للموفّق المكّي 1 : 82 ( 2 ) انظر تأريخ بغداد 13 : 368 ، تهذيب الكمال 29 : 443